مركز الثقافة والمعارف القرآنية

92

علوم القرآن عند المفسرين

أو تقديم ، أو تأخير ، فإنه كله منزل من عند اللّه تعالى ، ومما وقف الصحابة على صحته ، وخير بينه وبين غيره ، وصوب للجميع القراءة به . قال : لو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة أو غير ذلك لسوغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم أطال - رحمه اللّه - الكلام على تقدير ذلك ، وجوز أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقرأ واحدا بعض القرآن بحرف ، وبعضه بحرف آخر ، على ما قد يراه أيسر على القارئ » اه . قلت : وظهر من هذا أن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع قد أخذه الصحابي كذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأقرأه كذلك إلى أن اتصل بالقراء . نحو قراءة حفص : ( مجريها ) بالإمالة فقط ، ولم يمل في القرآن غيره ، وقراءة ابن عامر : ( إبراهام ) في مواضع محصورة ، وقراءة أبي جعفر : ( يحزن ) في الأنبياء فقط بضم الياء وكسر الزاي ، وفي باقي القرآن بفتح الباء وضم الزاي ، وقراءة نافع عكسه في جميع القرآن بضم الياء وكسر الزاي ، إلا في الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي ، وشبه ذلك مما يقول القراء عنه : جمع بين اللغتين . وليت الإمام ابن الحاجب أخلى كتابه من ذكر القراءات وتواترها ، كما أخلى غيره كتبهم منها . وإذ قد ذكرها فليته لم يتعرض إلى ما كان من قبيل الأداء . وإذ قد تعرض فليته سكت عن التمثيل ، فإنه إذا أثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتقسيم وقف حمزة ، وهشام ، وأنواع تسهيله ، فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها ، ولا بعشرين ، ولا بنحو ذلك . وإنما إن صح شيء منها فوجه ، والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء . ولما قال ابن السبكي في كتابه جمع الجوامع : « والسبع متواترة قيل : فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه » ، وسئل عن زيادته على ابن الحاجب قيل : المقتضية لاختياره أن ما هو من قبيل الأداء كالمد والإمالة إلى آخره متواتر فأجاب - رحمه اللّه - في كتابه منع الموانع : اعلم : أن السبع متواترة والمد متواترة والإمالة متواترة كل هذا بين لا شك فيه . وقول ابن الحاجب : ( فيما ليس من قبيل الأداء ) صحيح لو تجرد عن قوله : كالمد والإمالة . لكن تمثيله بهما أوجب فساده ، كما سنوضحه من بعد ، فلذلك قلنا : قيل : ليتبين أن القول بأن المد والإمالة والتخفيف غير متواتر ضعيف عندنا ، بل هي متواترة ، ثم